ورطة الحداثة وما بعدها: بين القيم الكونية واستعمالات الواقع
منذ نشأتها في أوروبا الحديثة، قُدّمت الحداثة باعتبارها مشروعًا إنسانيًا يهدف إلى تحرير الإنسان من قيود الجهل والتقليد، وإرساء قيم العقل والحرية والتقدم. غير أن هذا المشروع، الذي بدا في ظاهره كونيًا ومشتركًا بين البشر، سرعان ما دخل في مفارقات عميقة، خاصة حين انتقل من المجال الفكري إلى المجال السياسي. فإذا كانت الحداثة تدعو إلى الحرية وحقوق الإنسان، فلماذا تُستعمل أحيانًا لتبرير الهيمنة أو فرض نماذج معينة على الشعوب؟ وهل الخلل في الحداثة ذاتها أم في من يدّعي تمثيلها؟
تقوم الحداثة في أصلها على جملة من المبادئ الأساسية، من أبرزها الإيمان بالعقل، والقطع مع الخرافة، وتكريس حرية الفرد، وبناء مجتمع قائم على القانون والمؤسسات. وقد ارتبط ظهورها تاريخيًا بأوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، خاصة مع التحولات الكبرى التي عرفها العالم آنذاك، مثل الثورة الفرنسية والثورة الصناعية، حيث انتقل الإنسان من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث تحكمه قيم جديدة.
ويبدو أن التمييز ضروري بين "الحداثة" باعتبارها مشروعًا فكريًا، و"التحديث" باعتباره عملية تقنية أو مادية. فقد تتمكن بعض الدول من تحقيق التحديث عبر تطوير البنيات التحتية والاقتصاد، دون أن تحقق حداثة حقيقية على مستوى القيم، كالديمقراطية وحرية التعبير. وهذا ما يجعل الحداثة أعمق من مجرد التقدم التقني، لأنها تمس جوهر رؤية الإنسان للعالم ولنفسه.
غير أن أخطر ما يكشف ورطة الحداثة في عصرنا، هو انتقالها من كونها مشروعًا فكريًا لتحرير الإنسان، إلى خطاب سياسي يُستعمل لتبرير الهيمنة. فكثيرًا ما ترفع قوى دولية شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في مواجهتها لأنظمة تصفها بالتقليدية أو السلطوية، كما حدث في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران خلال فترة حكم دونالد ترامب. لكن هذا الخطاب، رغم طابعه القيمي الظاهر، يثير تساؤلات عميقة حول مدى صدقه، إذ يبدو أحيانًا غطاءً لمصالح استراتيجية وصراعات نفوذ أكثر منه سعيًا حقيقيًا إلى ترسيخ قيم الحداثة. وهكذا تتجلى المفارقة: فبدل أن تكون الحداثة أداة لتحرير الإنسان، قد تتحول إلى وسيلة للضغط وإعادة تشكيل العالم وفق توازنات القوة، مما يفرض إعادة التفكير في معناها وحدودها بين المثال النظري والتطبيق الواقعي.
لذلك، فإن الحكم على الدول أو المجتمعات بكونها "حداثية" أو "غير حداثية" بشكل مطلق، يظل حكمًا متسرعًا، لأن الواقع أكثر تعقيدًا وتداخلاً. فكل مجتمع يحمل عناصر من الحداثة وأخرى من التقليد، كما أن الخطاب السياسي قد لا يعكس دائمًا الحقيقة الفعلية.
